اضطرابات العالم وكيف يواجهها العرب

يتسم الوضع الراهن في العالم بتزايد مطرد لمناطق الصراعات المسلحة، وبؤر التوتر القابلة للانفجار في أي وقت، ناهيك عن تنامي حدة العديد من الخلافات ذات الطبيعة الاقتصادية، والتجارية والمالية، وما دفعت إليه من اتخاذ إجراءات عقابية أو حمائية، وستدفع إليه أكثر مستقبلا بسبب ما يلاحظ من ميول كبير نحو تغليب المصالح القطرية الضيقة للدول ولو على حساب تحالفاتها، أو انتماءاتها لبعض التنظيمات القارية والدولية.
وبغض النظر عن شرعيتها من عدمها ؛ الأمر الذي غدت معه قواعد العولمة وما تفترضه من توسيع لحرية التجارة وتسريع لتنقل البضائع ورؤوس الأموال والأشخاص مجرد حبر على ورق في الكثير من الحالات.
ومن الواضح مما يتخذ من قرارات ويجري من تطورات أن هذا الوضع سيزداد تدهورا مع مرور الأيام، كما يتضح ذلك من حركة سباق محموم للتسلح، وبناء وتجديد القوة العسكرية كما وكيفا في معظم دول العالم، وما يتبع ذلك من تنام في مجال انعدام الثقة، وما ينجم عنه من تزايد أنشطة تدخل الدول في الشؤون الداخلية لبعضها البعض، بغية إثارة الفوضى أو استشرائها إذا كانت موجودة، وذلك إما مباشرة وعلانية أو من خلال أجهزة مخابراتها ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التابعة لها تحت ذرائع مختلفة، تارة باسم حماية المصالح القومية العليا والحيوية، وطورا بمحاربة الإرهاب وتجفيف منابعه، وثالثة بادعاء الدفاع عن حق تقرير المصير، رغم أن الكثير منها يمارس ذلك الدفاع بانتقائية وبانتهازية أيضا.
إن المأساة لا تنحصر فقط في هذا التشخيص المتشائم للأوضاع عبر العالم، وإنما تزداد حدتها في ظل غياب أي بارقة أمل في التطورات المرتقبة على المدى المنظور والمتوسط، نتيجة ما يلاحظ من ندرة في القادة المتبصرين، وتواري الكثير من العقول السياسية الرشيدة والنيرة في العالم إلى الخلف تاركة الساحة فارغة لسيادة التهور والجنون، وصعود زعماء جدد تمثل شخصياتهم مزيجا من الأنانية والشعبوية، وتغلب على طرق ممارستهم للسلطة، قواعد وأساليب الديماغوجية والبحث عن المصلحة الآنية والإثارة الإعلامية Le Buzz médiatique.
في هذا السياق ليس مستغربا إن لم تعد هنالك أي منطقة جغرافية في الكرة الأرضية آمنة ومستقرة بشكل يسمح بالتخطيط لتنميتها ودعم علاقات التعاون وحسن الجوار داخلها، بل على العكس من ذلك أصبحت كل المناطق مهددة بالانفجار ولأتفه الأسباب أحيانا، وخاصة تلك المناطق الملغومة بكل عوامل اندلاع الخلافات وسرعة تمدد نيرانها، كما هو حال أوضاع مختلف مناطق العالم العربي سواء بالخليج أو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ومما لاشك فيه، فإنه في ظل هذه الأوضاع المتميزة بانفجار معرفي وإعلامي رهيب ساهم بما يتدفق فيه من معلومات وأسرار بغض النظر عن صحتها أو مجرد فبركتها في تعقد العديد من القضايا واستفحال ظاهرة عدم اليقين، وسرعة تقلب المواقف وفجائيتها، بل وغرابة بعضها أحيانا لم يعد كافيا القول بأن السياسة هي فن الممكن، وإنما يجب أن تصبح هي فن القدرة على التوقع الصحيح أو الأقرب إلى الصحة لكل الاحتمالات الممكنة، والكفاءة والنجاعة في توفير الإمكانيات المادية والمعنوية بكل أصنافها لمواجهة تلك الاحتمالات أيا كانت الاتجاهات التي يمكن أن تنحو نحوها الجيد منها والأكثر سوءا كذلك.
فهل يستوعب العرب تلك المعطيات كافة فيبادرون إلى الابتعاد عن المناكفات والمزايدات اللفظية والأنانية فيما بينهم، والعمل على التكتل من خلال تغليب القواسم والمصالح المشتركة على ما عداها من عوامل أم سيظل معظمهم مواليا ومريدا لشعارات جوفاء تنتمي لعهود بائدة ليست في واقع الأمر سوى صياغة عصرية لما قاله عمرو بن كلثوم في العصر الجاهلي: ألا لا يجهلن أحد علينا - فنجهل فوق جهل الجاهلينا.
- سفير سابق